19 صالة عرض للاثار المصرية القديمة

"مصر التي في متحف اللوفر".. الجناح الأسطوري الذي يضم 55 ألف قطعة أثرية (1)

يعتبر متحف اللوفر واحداً من أهم وأعرق المتاحف العالمية، في البداية شُيد كقلعة تحمى مدينة باريس، ثم أصبح فيما بعد مقرًا للحكم، قبل أن يحولوه إلي متحفًا خالداً يحفظ للبشرية ذاكرتها عبر الأزمان.

 

ويعد الجناح المصرى فى اللوفر أبرز أجنحته، وبعد التوسعات الأخيرة التي وصفت بـ"الثورة" زاد عدد القطع المعروضة إلى حوالى خمس وخمسين ألف قطعة أثرية، وتضاعفت مساحة العرض فبلغت أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة متر، تمتد عبر تسع عشرة صالة فى المتحف، ليصبح بذلك أجمل وأغنى المتاحف المصرية فى العالم، لدرجة أنه وُصف من قبل المختصين بـ"الجناح الأسطورى".

البداية جاءت فى الخامس عشر من مايو 1826، عندما أصدر شارل العاشر أمراً ملكياً بإنشاء "الجناح المصرى" فى اللوفر، وتعيين جان فرانسوا شامبليون أميناً عاماً له، تقديراً لجهوده الدؤوب ومناداته المستمرة بإنشاء متحف للآثار المصرية.

 

قبل 28 عام مضت، كانت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت 1798 - 1801، أولى محطات انتقال الآثار المصرية إلى فرنسا، اذ قام أفرادها بجمع ما استطاعوا جمعه من آثار مصر ليحملوها إلى فرنسا، لكن حالفهم سوء الحظ هذه المرة، فسقطت كل هذه الآثار التى جمعوها بما فيها حجر رشيد الشهير، فى أيدى أعدائهم الإنجليز بعد هزيمة عسكرية مريرة، وانتقلت تلك الآثار إلى إنجلترا، والتى أسست بها واحداً من أروع أجنحة المتحف البريطانى فى لندن، وأعنى "الجناح المصرى".

جاءت أولى مجموعات الآثار المصرية إلى اللوفر من صديق نابليون الشخصى، وآخر مدير للمتحف الإمبراطورى، الرسام الفرنسى المعروف فيفان دنيون، واشتملت على تماثيل ملكية عدة، ودخلت المتحف فى عام 1793، وتبعتها 16 قطعة أخرى فى عهد لويس السابع عشر.

 

وعندما اعتلى شارل العاشر العرش، عُرضت مجموعة ضخمة من التماثيل المصرية القديمة احتفاء بهذه المناسبة، واشتملت على تمثال المعبودة إيزيس الضخم من فيللا الإمبراطور الرومانى هادريان، وثلاثة من تماثيل الكتلة للنبلاء "آخ - آمون - رع" و"بادي - آمون - أوبت"، و"واح - إيب- رع"، والتمثال الجاثى للمدعو "ناخت - حور - حب" وتمثالين للملكين "نفرتيس الأول" و"أكوريس" من الأسرة 29، كما أحضر الكونت دى فوربى التماثيل الجميلة للربة "سخمت" الممثلة فى هيئة أنثى لها رأس لبوءة، وأهدى ابن تاجر الآثار بيير بول تدنا، دوفن التابوت الحجرى الأول لـ"أيونا" إلى لويس الثامن عشر.

قبل انشاء الجناح المصرى فى اللوفر، كان شامبليون يحاول كسب الرأى العام لصالحه من أجل الإعتراف الكامل بالفن المصرى القديم، فحاول قدر استطاعته أن يحضر روائع هذا الفن إلى باريس، وذلك كى يقنع المسؤولين الفرنسيين بجمال وعظمة الحضارة المصرية القديمة، التى هى، طبقًا لرأيه، أعظم حضارات الدنيا قاطبة.

 

فى العام 1824، فوض المتحف شامبليون شراء مجموعة "دوران" التي بلغ عددها حوالى 2149 قطعة أثرية، لتصبح بحق أولى مجموعات الآثار المصرية الضخمة التى تدخل اللوفر، ووصفها أمين الآثار المسؤول عن تقييمها الكونت كلار قائلاً: "يجعل تنوع وروعة هذه الآثار، والتى تشكل بمفردها معرضاً جميلاً، يظهر كل شىء يتعلق بمصر، منها مجموعة صالحة للفن والتعلم، وليست أقل أهمية من تلك التماثيل الضخمة التي تملأ اللوفر، فهي عن ذلك البلد المدهش المتفرد مصر"، ذلك بالإضافة إلي حوالى 1225 قطعة من التمائم والفنون الصغرى والمومياوات والأوانى والحلى، اشتملت المجموعة على العديد من التوابيت المتميزة والمعروفة بـ"توابيت دوران"، ولوحات "سنوسرت"، و"أوزير - رع"، والتمثال النادر لـ"مرى آمون"، والتماثيل الصغيرة لـ"آمون - إم - أوبت"، و"تامروت".

صدّق شارل العاشر على أمر شراء هذه المجموعة فى الرابع عشر من ديسمبر 1824، وكانت لحظة فارقة فى تاريخ الجناح المصرى فى اللوفر، ونظراً لضخامة المجموعة وتميزها، اقترح التقرير الأولى المرفوع إلى السلطات الفرنسية، إنشاء جناح خاص للآثار المصرية فى اللوفر، على أن يُطلق عليه اسم "متحف شارل العاشر".

 

وعندما أقدم القنصل الفرنسى العام فى مصر وجامح الآثار الشره، براناردين دروفتى على بيع مجموعته الخاصة الهائلة، والتى جمعها عبر سنوات عمله الطويلة فى مصر، رفضت فرنسا شراءها، نظراً لمغالاته فى ثمنها، وعلى الفور، اشتراها ملك سردينيا شارلس فليكس، وعرضها فى متحف "كورين" فى إيطاليا، وندم شامبليون أشد الندم على ضياع هذه المجمعة من أيدى اللوفر، وعبر بحثه الدؤوب عن مجموعات أخرى، اكتشف شامبليون وجود مجموعة ضخمة فى ليفورنو فى إيطاليا، كونها أكبر لصوص الآثار المصرية في العصر الحديث، قنصل بريطانيا العام فى مصر هنرى سالت فى الفترة من 1819 – 1824، وكان سالت أعظم ناهبى الآثار المصرية، فنهب معظم جبانات الأقصر ومعابد الدلتا، فطلبها المتحف البريطانى، لما بها من مجموعة من التماثيل الضخمة والنقوش الجميلة، وكان ذلك فى العام 1818.

علي الجانب الأخر، شحذ شامبليون فصاحته، واستخدم ملكاته الخاصة للتأثير على شارل العاشر وحثه على شرائها، حتى يفوت فرصة الانتفاع بها على المتحف البريطانى، فكتب إلى الدوق دى بلاكا الذى دافع بدوره عن شامبليون وقضيته العادلة، مستغلاً صداقته للملك ومطالباً إياه بالآتى: "يجب علينا أن نحصل على معظم المجموعات الكاملة والآثار الكبيرة، اذ تستدعى متطلبات دولتنا دولة العلم أن ننشىء متحفاً حقيقياً للآثار المصرية شاملاً كل المدارس والأساليب والأحجام، وعلى فهذا، فإن مجموعة ليفورنو كاملة، وعما أعرفه عنها، أنها فرصة حقيقية لن تُعوض كى تكوّن فرنسا متحفاً مصرياً فى اللوفر"، ما شجع شارل العاشر فأصدر مرسوماً ملكياً بالشراء على الفور فى 23 فبراير 1826، وكوفئ شامبليون على جهوده بتعيينه أميناً عاماً للجناح المصرى الجديد فى اللوفر.

 

بمراجعة قوائم اللوفر المعاصرة، فإن مجموعة "سالت" من الضخامة بحيث اشتملت على 4040 رقم دخول، وكانت من الروعة والتنوع بشكل تصعب معه المفاضلة بينها، ومن أبرز محتوياتها، تمثال أبو الهول الضخم من تانيس فى شرق الدلتا المصرية، والذي يُعد من أبرز معالم الجناح المصرى فى اللوفر، وحوليات الملك تحتمس الثالث، وتمثال سوبك حوتب الرابع، وتمثال أمنحتب الرابع، أو أخناتون، والأشكال المتنوعة لعلاقة عنخ "الحياة" الهيروغليفية، والتصوير الساحر للسيدة ناى، بالإضافة إلي الطقوس الجنائزية المصورة بدقة على تابوت الملك رمسيس الثالث من الجرانيت الوردى، والآثار الخارجة من المقابر الأخرى، والعديد من مناظر الحياة اليومية المصورة على أدق الآثار وأصغرها حجماً، ولوحات مقبرة نسو الرائعة، وتمثل المجموعة، فى عمومها، لوحة بانورامية شديدة التفاصيل لفنون وخصائص الحضارة المصرية القديمة.

ويبرر تنوعها وضخامتها اللافتين حماسة شامبليون الزائدة لاقتناصها من بين أنياب الإنجليز، وفى عام 1827، دخلت مجموعة القنصل دروفتى الثانية المهمة اللوفر، وأهدى شارل العاشر الناووس الجرانيتي الضخم للملك أحمس الثانى "أمازيس"، وباع له التابوت البازلت الضخم الآخر، وكان دروفتى قد جاء إلي مصر مرافقًا لنابليون بونابرت فى حملته الشهيرة على مصر، وأصبح قنصلاً عاماً لفرنسا فى مصر فى عام 1814، ومرة ثانية فى الفترة 1820 - 1829.

 

كان القنصل دروفتى جامعاً نهمًا للآثار المصرية، واستخدم فى ذلك الوسائل كافة، ومن بينها وسائل الحفر الحديثة، أكثر من معاصريه لصوص الآثار الآخرين، للتنقيب ونبش الآثار، وكان مساعده ومستشاره الرئيسي المثّال جان-جاك ريفو، الذى ساعدت موهبته الفنية وخبرته بالفنون دروفتى فى كثير من قراراته، ورفض لويس الثامن عشر مجموعته الأولى، واشترى فلك البروج "زودياك"، من سقف معبد دندرة فى جنوب مصر بثمن باهظ على الفور، وبوصول هذا الأثر الفريد باريس، سار فى موكب هائل، كموكب الغزاة المنتصرين، وصار حديث المجتمع الأوروبى عموماً والباريسى على وجه الخصوص.

ازدادت سعادة شامبليون عند تلقيه خبر الشروع فى بيع مجموعة دروفتى الثانية عام 1827، فزلزل الأرض وهز السماء، ليحصل عليها الجناح المصرى بأى شكل وبأى ثمن، وفى أغسطس 1827، أهدى القنصل الماكر متحف اللوفر هدية مكونة من عدد من مجوهرات الفراعنة الساحرة، كان من بينها الخاتم الأروع المزين بالخيول الجامحة، ولم تستغرق عملية البيع وقتاً طويلاً، اذ تمت يوم 11 أكتوبر، وفى يوم 24 من الشهر نفسه، تسلم شامبليون الكنوز مشتملة على روائع الذهب والفضة، وكأس رمز المعرفة والحكمة المصرى المعبود تحوت، ودخلت البقية الباقية اللوفر فى سبتمبر 1828.

 

ضمت مجموعة دروفتي الذهبية على تماثيل رمسيس الثانى، وسوبك حوتب الضخمة، ورأس صغير للملك أمتحتب الثالث والد أخناتون، وأوستراكات، أو ما يسمي بـ"شقفات فخارية" جميلة لوجه أحد الملوك الرعامسة، وتنتمي للأسرتان 19 و20، وعدد من تماثيل الأفراد الكبيرة الضخمة، وآلاف من لوحات المعبود حورس السحرية، وتوابيت "جد - خونسو - إيوف - عنخ"، وثلاثة توابيت حجرية ضخمة، تشكل فى مجملها بانوراما عامة عن الحياة الاجتماعية فى مصر القديمة.

وفى الفترة من 1828 - 1829، سافر شامبليون الى مصر، وعاد محملاً بكنز ثمين من الآثار المصرية قُدِّر بأكثر من مئة قطعة مدهشة، اشتملت على التابوت البازلتى للكاهن "جدحور"، والنقش الرائع للملك سيتى الأول، والد الملك رمسيس الثانى، والمعبودة حتحور من معبده فى أبيدوس فى صعيد مصر الخالد، والتمثال الأعظم لـكاروماما من الأسرة 25، والمنضدة العاجية الشديدة الجمال للملك بيبى الأول من الأسرة السادسة، وأجزاء من أساسات معبد الدير البحرى للملكة حاتشبسوت فى البر الغربى لمدينة الأقصر.

 

بعد حياة فصيرة لم تتجاز الثانية والأربعين، توفي جان- فرانسوا شامبليون، وذلك في مارس 1832، تلك الحياة القصيرة كانت حافلة بالعطاء لبلده فرنسا، وكانت مليئة بالجمع المتواصل لآثار مصر، تاركاً الجناح المصرى فى اللوفر عامراً بأكثر من تسعة آلاف قطعة أثرية متنوعة، ولكنه تعرض من بعده للإهمال والتدمير، فعثر على نقش الملك سيتى الأول سالف الذكر مهشماً فى التراب.

جاء من بعده جان جوزيف دوبوا، والذى كان يُقطّع مناظر البرديات الجنائزية ويشرح النقوش البارزة، وكان كسلفه، عليماً بأهمية المجموعات المصرية الخاصة لدى القناصل الأجانب فى مصر، فطلب شراء أكبر قدر ممكن من مجموعة القنصل الفرنسى العام فى الإسكندرية، جان فرانسوا ميمو، خليفة دروفتى، واشتري بالفعل 158 قطعة أثرية بثمن زهيد، واشتملت على قواعد وتيجان أعمدة معبد أبيدوس الملونة، الأروع فى الحضارة المصرية القديمة، والأعمدة الخارجة من مقبرة "أختا"، وتماثيل المدعو "سبا"، وزوجه "نسا" من الحجر الجيرى الملون الرائعة.

 

أعطى تعيين عالم الآثار المعروف، والأستاذ بـ"الكوليج دى فرانس"، إمانويل دى روجيه، رئيساً للجناح المصرى، دفعة جديدة للجناح، ففى عام 1853، طلب مجموعة كلوت بك المهمة، والتى ضمت 2678 قطعة أثرية، وكان أنطونى باتلمى كلوت يشغل منصب كبير أطباء محمد على باشا، ونجح بحكم موقعه، فى تكوين مجموعة ضخمة من الآثار المصرية، ضمت توابيت حجرية وخشبية كبيرة، وحوالى 250 تمثالاً حجرياً ولوحة، ومجموعة كبيرة من البرونز، وتماثيل رائعة للقطة المقدسة باستت، و26 مومياء للحيوانات المقدسة، والعديد من الآثار الجنائزية والدنيوية، وقد جاءت من أماكن مختلفة، فجاء نقش مر إيب النادر من الدولة القديمة من منف، من قرى الجيزة الحالية، فيما جاءت الأوانى الكانوبية، أوانى حفظ أحشاء المتوفى، الخاصة بالملك إنتف الثانى، من الأسرة الحادية عشرة، والبرديات البطلمية من الأقصر.

 

مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية

والمشرف علي مركز الدكتور زاهي حواس للمصريات

 

التعليقات