وصفها إبن بطوطة بالقوة الثالثة

"إمبراطورية مالي".. المملكة التي أنشأها "الملك الأسد"

"واحدة من أعظم ثلاث قوى رئيسية في القارة الإفريقية".. هكذا وصفها الرحالة المغربي أبو عبد الله محمد بن عبد الله الطنجي المعروف بإبن بطوطة، فقد عاصرت دولة المماليك في مصر، ودولة المرينيين في المغرب، وكانت تتواصل فيما بينهما اتصالا سياسيا وتجاريا وثقافيا، وان كانت كل منهما قوة مستقلة ومركزا لتجارة واسعة النطاق.

 

أسس هذه السلطنة شعب زنجى أصيل هو شعب "الماندنجوه"، أو "الماندنجو"، ومعناها "المتكلمون" بلغة الماندى، ويطلق "الفولانى" على هذا الشعب اسم "مالى"، ويلقبه المؤرخون العرب بلقب "مليل" أو "ملل"، وتقع تلك السلطنة بين بلاد "برنو" شرقا والمحيط الأطلسى غربا وجبال البربر شمالا و"فوتاجالون" جنوباً.

 

"مملكة مالي"، أو "الدولة الإمبراطورية"، أحد الحضارات الإفريقية التي ازدهرت في الفترة ما بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر، أسسها رجل يدعى "سوندياتا كيتا"، وهو ملك "كانجابا" الذي عرف تاريخيا بـ"الملك الأسد"، ففي منتصف القرن الحادي عشر اعتنق ملوك "كانجابا" الإسلام، وأنشئوا دويلة صغيرة انفصلت عن مملكة الكونغو، مستغلة الصراع الذي نشب بين المرابطين ومملكة الكونغو.

 

وفي أوائل القرن الثالث عشر استطاع ملوك كانجابا أن يوسعوا مملكتهم تجاه الجنوب والجنوب الشرقي، الأمر الذي أثار حفيظة ملك "الصوصو"، فحاول أن يسيطر علي مملكة "كانجابا" الناشئة، والحقيقة أن جهوده كادت أن تكلل بالنجاح، بعد أن استطاع أن يهزم مملكة غانا الإسلامية عام 1203 ميلادية، لكن الملك الأسد ملك كانجابا استطاع أن يهزم ملك الصوصو ويقتله في إحدى المعارك سنة 1235 ميلادية، ويضم بلاده إليه.

بدأ "الملك الاسد" بعد ذلك في العمل على الوادي الخصيب بأعالي نهر النيجر، رغبة منه في توسيع نفوذه شمالاً، واستطاع شيئا فشيئا أن يوحد القبائل المختلفة تحت سيطرته، وبذلك أسس إمبراطورية مالي، التي كانت أكبر من مملكة غانا، حيث امتدت من ساحل المحيط الأطلسي بالغرب إلى ما وراء تخوم منحنى نهر النيجر بالشرق، ومن حقول الذهب في غينيا بالجنوب إلى محط القوافل التجارية عبر الصحراء بالشمال، وهو ما يعرف الآن بغرب أفريقيا، وكان "الماندنجوه" أول من حظى بها.

 

استمرت حركة التوسع في عهد خلفاء سوندياتا كيتا، حتى وصلت لأقصي قوتها في عهد "مانسا موسى"، الذي استولت قواته على مدينة ولاته، وتمبكت، وجاو في النيجر الأوسط، وفي عهده بلغت مملكة مالي ذروة مجدها وقوتها واتساعها، حيث كانت تقدر مساحتها في عهده بمساحة كل دول غربي أوروبا مجتمعة، فقد امتدت من بلاد التكرور غربا عند شاطئ المحيط الأطلسي، إلى منطقة "دندي" ومناجم النحاس في "تكدة" شرقي النيجر، ومن مناجم الملح في "تغازة" شمالا، إلى "فوتاجالون" ومناجم الذهب في "نقارة" جنوبا، كما شملت الحدود الجنوبية منطقة الغابات الاستوائية.

 

ويعتبر الإمبراطور "منسا موسى" أشهر حكام مملكة مالي وأغناهم على الإطلاق، حتى إنه لُقب بأغنى رجل في التاريخ، كما وضع الكشافة الأسبان صورته ممسكا بالذهب في قلب قارة إفريقيا على الخريطة !!.. ففي عهده ازدهرت المملكة إلى درجة كبيرة، خاصة بعد أن مد نفوذ مملكته جنوبا حتى مناجم الذهب.

 

ولأنه كان عالما وعاشقا للعلم والثقافة، قام ببناء عاصمة جديدة لمالي وهي "تيمبوكتو"، وجعلها المركز الرئيسي للتعليم والثقافة في قارة إفريقيا، فكان الطلاب يأتون إلي جامعة سانكوري المعروفة بـ"جامع تمبكتو الكبير" من جميع أنحاء القارة السمراء للدراسة بها، وهي عبارة عن جامع كبير يوجد في حي سانكوري بمدينة تيمبوكتو، تعاقب على إمامته أهل آقيت، ومن هذه الأسرة العلامة أحمد بابا التمبكتي.

رغم أن الصلة بين المملكة ومصر كانت قوية منذ فجر الدولة،  وهذا ما أكده المؤرخ المصري أبو عباس القلقشندي عندما أشار إلى خروج "منساولي بن ماري جاطة" إلى أداء فريضة الحج مارا على مصر أولا في عهد السلطان بيبرس، إلا أن هذه الصلة تطورت في عهد السلطان "منسا موسى"، فعندما خرج لأداء فريضة الحج عام 1324 سلك كعادة ملوك مالي طريقه عبر القاهرة، حاملا 50 ألف أوقيه من الذهب، وزع أكثرها على الناس في صورة هدايا أو صدقات في مصر ومكة، كما بعث إلى الخزانة السلطانية في القاهرة بحمل كبير من الذهب، ويقال أن سعر الذهب انخفض في العالم لكثرة ما وزع من ذهب على طول الرحلة.

 

استغل "منساولي بن ماري" فرصة وجوده في مصر، لتدعيم العلم والثقافة في مملكته، فاشترى مجموعة من الكتب الدينية ليوفر لأهل بلده جانبا من الثقافة الإسلامية التي كانت متفوقة في مصر، ثم اتفق على تبادل العلماء، فذهب الكثير من علماء مصر إلى مالي، كما انتقل علماء مالي إلى مصر، وكان لهم رواق في الأزهر يقيمون فيه يسمى "رواق التكرور"، كما استعان الملك منسا موسى بـ"أبو إسحاق السهلي"، وهو أحد علماء الأندلس في بناء القصور والمساجد، وإليه يرجع الفضل في إدخال فن البناء بالآجر في غربي السودان، وبنى مسجدا عظيما في "جاو" وآخر في تمبكت"، كما بني قصر منسا موسى نفسه، و إثر وفاته عام 1337 خلفه ابنه "مانسا مقان" ثم أخوه "مانسا سليمان" عام 1341.

 

وفي أواخر القرن 14 بدت علي المملكة مظاهر الضعف العسكري، وبدأت تستقل عنها بعض الأقاليم الخارجية واحدا بعد الآخر، فاستقلت إمارة "جاو"، وإمارة "صنغى"، واستولى الطوارق وهم بدو جنوب الصحراء الكبرى على مدن "أروان"، و"ولاته"، و"تمبكتو"، وبدأ "الولوف" و"التكرور" يُغيرون عليها من الغرب، ودولة "الكانم" من الشرق.

 

وبلغ ضعف اللملكة الغاية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حتى أنهم استنجدوا بالعثمانيين في المغرب، وبالبرتغاليين الموجودين على ساحل إفريقيا الغربي، ولكن لم يستجب لها أحد، وتركوا السلطان "سُني علي" سلطان إمارة "صنغى" يتوغل في سلطنة مالي، حتى سقطت في يده تمبكتو، ليرث مملكة "مالى" ويتبوأ مكانتها فى غرب القارة فيما بعد.

وفي منتصف القرن السابع عشر، أصبحت المملكة التي كانت واحدة من القوي الثلاث في إفريقيا، مجرد دويلة صغيرة في "كانجابا" كما كانت من قبل، ولكن في أواخر القرن التاسع عشر حاول "ساموري التوري" آخر زعيم لكانجابا أن يعيد مجد مملكة مالي، بنفس الطريقة التي قام بها الملك الأسد، وهي توحيد شعب "الماندنجوه"، إلا أن القوات الفرنسية قضت على حلمه سنة 1898، ونفته إلى الجابون، ليموت عام 1900، وتنتهي إلى الأبد مملكة كانت الأقوى في القارة السمراء.

التعليقات