150 عام من التاريخ

"سراى عابدين".. جوهرة القصور الملكية في قلب القاهرة الحديثة

منذ 155 عام مضت، وتحديدا في شالء عام 1863، وبمجرد جلوسة على العرش في شهر يناير، أصدر الخديوي اسماعيل، خامس حكام مصر من الأسرة العلوية، قراراً بسرعة إنشاء قصر ضخم لشئون الحكم، ليعبر عن الدولة المصرية الحديثة.

 

يوماً رآى الخديوي اسماعيل قصر صغير، تمتلكه أرملة "عابدين بك"، احد القاده العسكريين في عهد محمد علي باشا، يمتلك موقعاً فريدا في منتصف القاهرة، فتقدم لأرملته راجياً شرائه، وعندما وافقت أمر بهدمه، وضم إليه الكثير من الأراضي، ثم شرع في بناء واحد من أفخم القصور الملكیة في مصر، بل والشرق كله.

 

"قصر عابدين".. تحفة معماریة تاریخیة فریدة، اثر عظيم من آثار الأسره الحاكمة في تاريخ مصر، تحول الى متحف يعكس الفخامه التي شُيد بها، شهد الكثير من الأحداث التاريخية المهمة، منذ اسرة محمد علي وحتى قيام ثورة 1952، ولما ﻻ وهو مقر الحكم من عام 1872الى 1952، فاستحق لقبه الذي أطلقه علية المؤرخون "جوهرة القصور الملكية".

لم تكن الأهمية التي اكتسبها قصر عابدين لمجرد أنه أثر فخم، يأتي إلية الزائرون من جميع أنحاء العالم، ولكن أهميته جاءت كونه حلقة وصل بين الملكيه والجمهورية في مصر، فذلك القصر مثل البذرة الاولى لظهور القاهره الحديثه، والذي امر ببنائه الخديوي اسماعيل، لتكون القاهره على النمط الاوربي الحديث، لتصبح المباني والشوارع مرسومه على شكل زهور ونباتات، تحيط بها الحدائق والجناين، ليتحول من مجرد قصر إلي كتاب تاريخ يحكي تاريخ مائة عام من الأحداث الاجتماعية والسياسية من القرن التاسع عشر في تاريخ مصر، ما أهله لأن يُصبح أشهر القصور المصرية التي شيدت خلال حكم أسرة محمد علي باشا لمصر.

 

يتميز قصر عابدين بالتراث الكلاسيكي الذي كان ينافس القصور الأوروبية آنذاك في معماره، من تعدد قاعاته، وأروقته التي شهدت صعود وهبوط ملوك وحكام ورؤساء كثيرين، فيحتوي على قاعات وصالونات مطلاه بالون الأبيض والاحمر والأخضر لاستقبال الوفود الرسميه اثناء زيارتها لمصر، وقد قدرت تكلفة البناء، والتي استغرقت حوالي 10 سنوات، ما يقرب من 100 ألف جنيه ذهبية.

 

القصر عبارة عن طابقين، العلوي يحتوي على السلاملك، والحرملك، أما الأرضي فيضم مقر الحرس ومكاتب التشريفة والمخازن والخدم، وتعد أشهر وأضخم بوابه، باب باريس، وهو الذي يؤدى إلى المدخل الرئيسي للحرملك، وجاءت التسمية نسبة إلى الإمبراطورة "أوجينى"، كما يضم 500 غرفة وقاعة، وأطقما مذهبة من الأثاث، ومبنى منقوشا بأسماء الملوك، وفي الطابق الأول صالونان، يؤدي أحدهما إلى صالون قناة السويس، والذي أنشئ ليتم الاحتفال فيه بافتتاح قناة السويس، ويؤدي إلى الشرفة المؤدية إلى ميدان عابدين العريق.

كان للثقافة داخل القصر أهميتها، فداخله توجد مكتبه ضخمة تضم ما يقرب من 55 ألف كتاب، بالإضافة إلي جناح مسرحي، يقدم عروضه لضيوف مصر من الشخصيات العالمية، ويحتوي الجناح علي 100 كرسي مذهب، وأماكن منعزلة خاصه للسيدات، كما يوجد بداخله العديد من الأجنحة التي صممت خصيصا لاقامة ضيوفه من حكام والوفود، وبه سرير يعتبر من التحف الاثاريه لما يحتويه من زخارف ونقوش يدويه.

 

والذي ﻻ يعرفه كثير من الناس إن قصر عابدين ليس متحف، او تحفه اثريه، بل خمسة متاحف مختلفة، الاول متحف محمد علي باشا مخصص للحفاظ على اثرياته من أواني وادوات من الذهب والفضة والكرستال والبلور الملون، بالإضافة إلي الهدايا القيمه التي كانت تُقدم من الوفود الاجنبيه من الطبقات العليا، الثاني متحف الأسلحة، أحد أكبر المتاحف ثراءً، اهتم به ابناء واحفاد الخديوي اسماعيل، وحافظوا عليه، فتم تخصيصة لعرض الاسلحه الخفيفه والثقيله، التي تلقاها رؤساء مصر من الجهات الوطنيه المختلفة، بالإضافة إلي المتحف الحربي، ومتحف الفضيات، ومتحف للوثائق التاريخية، وهو أحـدث الـمـتـاحـف التي افـتـتـحـت داخل القـصـر، فـقـد تم افـتـتاحـه في 2004، ويحتوي علي عدة وثائق تاريخية هامة من عهد "محمد علي باشا" وحتى الملك فاروق الأول آخر ملوك مصر.

 

بعد بناء قصر عابدين قرر الخديوي إسماعيل تمليكه إلى زوجاته الثلاثة، هو وقصر الرملة وقصر الجيزة، ولكن عندما نفى الخديوي إسماعيل عام 1879، أصدر الخديوي توفيق قانونا رسميا ينص على أن القصور الرسمية كلها ملكية منفردة لمصر، وينبغي أن تظل محلا لإقامة الأسرة المالكة دون أن تكون ملكا لها.

أما عن أهم الأحداث التاريخية التي شهدها القصر، تظاهرة 9 سبتمبر سنة 1881 بقيادة الزعيم أحمد عرابي، الذي قدم فيها مطالب الأمة والجيش للخديوي توفيق، وكان قوله المأثور: "لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا"، وأعقبتها ثورة المصريين ونفي أحمد عرابي ودخول الإنجليز لمصر، وفي مارس 1954 شهدت الأزمة التي نشبت بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر بعد قيام الثورة، حيث شهد هذا العام تقديم محمد نجيب استقالته في 25 فبراير، وعندما تراجع عنها عاد للقصر ووقف بالشرفة والتف حوله المتظاهرون في شعارات تعارضه في ذلك الوقت، كما شهد الميدان المواجه للقصر بدايات ثورة 1919، عندما ملأت الجماهير ميدان عابدين، مطالبة الملك فؤاد بالإفراج عن سعد زغلول ورفاقه، وعودتهم من المنفى، وحادث 4 فبراير 1942 حين أصر السفير البريطاني على تولي مصطفى النحاس رئاسة الوزراء.

التعليقات