"متحف الفن الإسلامي".. دار الآثار التي حافظت علي التاريخ العربي قرن ونصف

"قصور وميادين حدائق ومتاحف".. تلك كانت خطة الخديوي إسماعيل، خامس حكام مصر من الأسرة العلوية، لتحويل القاهرة إلي عاصمة النور الإفريقية، باريس الشرق، وبمجرد أن استلم حكم مصر في يناير 1863 شرع في بناء متحف بولاق، وافتتحه في اكتوبر من نفس العام، وعقب حفل الإفتتاح تساءل عن إمكانيه إنشاء متحفاً للحضارة الإسلامية.

 

"داراً للآثار العربية".. كانت الخطوة الأولي للخديوي إسماعيل، فقد أراد أن تكون جميع الآثار العربية محفوظة في عهده، لذلك  اصدر فرماناً خديوياً لتحذير أي شخص من تحطيم الآثار أو أخذ أحجارها، سواء للاستعمال في منشآتهم الخاصة أم في المباني الأميرية، وإلا سيتعرض لعقوبات صارمة، وأصدر فرماناً أخر لكل مديريات مصر المحروسة بسرعة توفير الحراس في حالة طلب مصلحة الآثار ذلك.

 

في أحد أيام عام 1869 تقدم مهندس معماري يعمل بنظارة الأوقاف المصرية، يُدعى "أوجست سيلزمان"، وكان يحمل الجنسية النمساية والمجرية، اقتراحاً بإنشاء "دار للآثار العربية" إلي الخيديوي، والذي أصدر بدوره أمراً باشاويا إلي "فرانز باشا"، رئيس هندسة الأوقاف، بسرعة إعداد بناء أميري لهذا الغرض، وأمره بتشكيل لجنة لحفظ الآثار برئاسته للعمل على هذا المشروع.

وكالعادة في مصر، مرت الشهور والأعوام دون أن تخرج هذه الدار إلي حيز التنفيذ، فقد قوبلت الفكرة بالتعثر لأسباب مجهولة، رغم توفير جميع الاعتمادات المالية، ما أدي بـ"فرانز باشا" لإختيار موقعاً مؤقتاً بمنطقة الجمالية، وبجوار باب الفتوح، ليُصيح متحفاً للآثار العربية، كما خصص فريقاً لجمع تلك الآثار، وعمل علي ترميمها بالشكل اللائق.

 

لم يكن أحد يريد أن يعترف في ذلك الوقت أن أهم عائق كان يواجه خروج "دار الآثار العربية" إليي النور، كان الخديوي إسماعيل نفسه، فقد كان مخطط التحديث، والذي وضعه لتحويل القاهرة إلي باريس الشرق، عائقاً أمام هذا التوجة الجديد، فخطة التحديث تعتمد علي هدم الكثير من الأبنية التاريخية والمساجد القديمة والعديد من المنازل والقصور، تلك التي كانت تعوق سير العربات، أو تقف حجر عثرة في الميادين التي كانت تُرسم دون اعتبار لما قد يكون فيها من آثار قيمة.

 

إلي أن جاء الخديوي توفيق في يونيو 1879، والذي رأي ضرورة إنقاذ ما تبقى من الآثار، والتي لا تزال في حالة جيدة، وكانت تعبر عن مدى ما توصلت إليه الحضارة العربية الإسلامية من ازدهار، فأصدر فرماناً في 1881 إلى إدارة الأوقاف لجمع كل الآثار من المساجد الأثرية، وأن تكون تحت مسئولية "فرانز باشا"، والذي قام بدورة بجمع التحف الأثرية التي ترجع إلى العصر الإسلامي في الإيوان الشرقي لجامع الحاكم بأمر الله.

وفي عام 1882 كان عدد التحف الأثرية التى تم جمعها 111 تحفة، ومن ثم تم بناء مبنى صغير مستقل بذاته في صحن جامع الحاكم، أطلق عليه اسم "المتحف العربي" تحت إدارة "فرانتز باشا"، إلي أن تم افتتاحه بشكل رسمي في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني في 28 ديسمبر 1903، وتغير اسمه سنة 1951 إلي "متحف الفن الإسلامي".

 

كان لهواة الفن الإسلامي دور محوري في خروج "دار الآثار العربية" إلي النور، فقد شكل تجمهم الصغير في تشكيل لجنة حفظ الأثار العربية قوة داعمة في وجه احتكار الأتراك لهذا النوع من العمل، وقد ضمت تلك اللجنة يومها "يعقوب أرتين" باشا، والبريطاني "إدوارد روجرز" بك، والذي كان مستشارا بالحكومة المصرية، والمعماري الفرنسي "إمبروز بودري" بك، بالإضافة إلى "فرانز" باشا، و"م. جراند"، و"محمود سامي" باشا، و"محمود الفلكي" باشا، وكان يترأس اللجنة "محمد زكي" باشا، مدير الأوقاف العام، ثم انضم فيما بعد "جول بورجوان"، و"بيرجران" كبير مهندسي مصلحة التنظيم، وبذلك ارتفع عدد الفرنسيين من أعضاءها إلى ثلاثة، وأصبحت الفرنسية هي اللغة المستخدمة في أعمال اللجنة.

 

أما عن أهم بنود ومواد طبيعة عمل تلك اللجنة، أولها إجراء اللازم لجرد وحصر الآثار العربية القديمة، خاصة تلك التي لها قيمة تاريخية أو فنية، وثانيها ملاحظة صيانة تلك الآثار، ورعاية حفظها من التلف، وإبلاغ نظارة الأوقاف بضرورة القيام بالتصليحات والترميمات المقتضى إجراؤها فيها، مع إيضاح المهم منها، وثالثها أن تعد خطة لهذه الإصلاحات، ثم تُشرف بنفسها على كل كبيرة وصغيرة في تنفيذ هذه الخطة، وأخيراً أن تتأكد من أن تصميمات الأعمال التي يتم إنجازها تُحفظ في نظارة الأوقاف، وأن تشير إلى أي تحف مستقلة، أو حطام متهدمة ينبغي نقلها فوراً إلى دار الآثار العربية.

حالت الظروف السياسية دون اجتماع لجنة حفظ الأثار العربية، فقبل عام 1882، وتحديدا قبل الإحتلال الإنجليزي لمصر، اجتمعت مرة واحدة فقط، وشارك في الإجتماع وزيران من بين الوزراء السبعة الذين تشكلت منهم وزارة شريف، وهما "مصطفى فهمي" ناظر الخارجية، والذي شارك بصفته رئيسا للجنة، و"محمود سامي البارودي" ناظر الحربية، وخرجوا بتوصية طالبت بأهمية حفظ وإصلاح الأثار العربية، وما أن انتهت الثورة العرابية حتى اجتمعت مرة أخرى في ديسمبر 1882، أي قبل أسبوع واحد من رحيل عرابي ورفاقه إلى المنفى.

 

بمجرد أن ترك فرانز باشا" لهندسة الأوقاف في عام 1887، تم اهمال المتحف بشكل كبير، فقررت اللجنة الاجتماع فوراً، وخرجت بتوصية لمطالبة الحكومة بسرعة اعادة الإهتمام بدار الآثار العربية، بل وإنشاء مبنى قائم بذاته للآثار والفنون العربية يحتوي على متحف ومكتبة أثرية، وفي الإجتماع الدوري في 20 أبريل 1892، قررت الإشراف بنفسها على المتحف وصيانته، وعمل جرد لكافة محتوياته وترقيمها، وإصدار قائمة مصورة "كتالوج" به موجز وشرح لكل ما يُعرض في المتحف للجمهور، ما شكل نقلة ثقافية مهمة في محاولة لتعريف المصريين بتاريخهم العربي من وجهة نظر أثرية.

 

شهدت سنوات إشراف المهندس "ماكس هرتس" بك، كبير مهندسي لجنة حفظ الآثار العربية، والذي عُين عام 1901 أميناً عاماً للمتحف، صعوداً مُطرداً، فقد أدت الجهود المبذولة إلي زيادة عدد القطع الأثرية، أصبح المتحف يضيق بمحتوياته، لذلك تم طرح توصية بضرورة إيجاد مكان جديد للآثار المكدسة في المتحف، وتمت مناقشة أحد موقعين، إما في موقع الكتبخانة الخديوية القديم، والموجود بدرب الجماميز، وإما يتم نقل التحف إلى ضريح السلطان الغوري، وهو ما تم رفضة لعدم ملائمته، كما أن موارد اللجنة الصغيرة لم تكن تسمح بتغطية مصاريف نقل الآثار، وفي نفس اليوم الذي تم فيه تعيين "ماكس هرتز" بك، كمسئول عام عن المتحف ومحتوياته، 20 أبريل 1892، إصدار الخديو عباس حلمي الثاني، مرسوما بإنشاء مبنى مستقل يجمع الآثار العربية.

وفي عام 1904 افتتح الخديوي عباس حلمي المتحف، وكان الافتتاح بحضور اللورد كرومر وكبراء رجال الدولة المصرية وأعيانها، فمن المشايخ حضر الشيخ "حسونة النواوي" شيخ الأزهر، والشيخ "محمد عبده" مفتي الديار المصرية، وشيخا الطريقة البكرية والطريقة الساداتية، بالإضافة إلي قناصل الدول والنظار، وألقى كلمة الافتتاح يومها مدير الأوقاف، ورئيس لجنة حفظ الآثار العربية، وقال نصاً: "اليوم تُجاري مصر الأمم المتمدنة بحفظ آثار قدمائها، وهي تحفظ للمدنية العربية تلك الأيادي التي طالما طوقت بها جيد العالم المعاصر".

 

في عام 1952، لاحظ خبراء الأثار أن المتحف يضم آثارا من بلاد غير عربية، مثل تركيا وإيران، ولهذا تم تغيير اسمه إلى "متحف الفن الإسلامي"، وبذلك اتسعت دائرته لتضم آثارا من العالم الإسلامي. وأصبح يتكون من 23 قاعة، ثم أضيفت قاعتان عام 1983، خصصت إحداهما للعملة الإسلامية، والأخرى للنسيج والسجاد، كما أضيفت حديقة متحفية. ويضم آثارا تمثل الفترة من القرن السابع وحتى نهاية القرن التاسع عشر الميلاديين، وتترواح بين عملات من العصور الإسلامية، ومخطوطات وفخار وخزف ومعادن وأخشاب وزجاج ونسيج وسجاد. 

 

التعليقات