يمكنك الحصول على كل شيء بالقوة.. إلا الحب والاحترام

السير مجدي يعقوب.. الراهب عاشق القلوب

"تستطيع الحصول على كل شيء بالقوة.. إلا الحب والاحترام".. واحده من أهم العبارات تأثيراً في تاريخ السينما العالمية، جاءت علي لسان الفنان العالمي "مارلون براندو" في رائعة الروائي الأمريكي "ماريو جيانلويجي بوزو" "العراب" أو "الأب الروحي"، عبارة لن تسقط من التاريخ الإنساني ولا يمكن نسيانها مهما حدث، لأنها بمنتهي البساطة مقولة استطاعت أن تلمس حد الواقع لنا كبشر.

 

بعيداً عن الإطار الذي خرجت منه عبارة "العراب" تلك، وبعيداً عن الحبكة الروائية التي نسجها "بوزو" لعالم الجريمة الأشهر، لكن ما أحوجنا اليوم لأن نفهم أن "الحب والاحترام" لا يمكن شراؤه بالمال، ولا يمكن انتزاعه بالقوة، ولن ينبت إلا في أرض خصبة، أرضا قابلة علي احتواء بذور الأخلاق والاجتهاد والعمل، لتطرح حب واحترام وتقدير.

 

ما أحوج شبابنا وأجيال مستقبلنا لتلك الحالة من الحب والاحترام، وما أحوجنا اليوم لفلاح مصري أصيل يكون بمثابة "الأب الروحي" للتربة المصرية، فلاح قادر علي إعادة الحياة لأرض أضحت بور تفتقد القيم والمثل العليا، ليعيد إليها القدرة علي احتواء بذور الأخلاق والاجتهاد والعمل لتطرح في المستقبل عنصري الحب والاحترام، وهما بلا شك يحتاجان إلي "أب روحي".

 

"هل يمكن للإنسان أن يحيا من دون قدوة؟".. سؤال لا يسعى الكثير منا للإجابة علية، فتركنا الآخرون يزعمون أن "القدوة" في زمن القرية الصغيرة لم تعد حاجة ملحة يسعى المرء للحصول عليها، وأننا في عصر تتلاشى هوية القدوة فتخضع للعقل تارة، وللحب والإعجاب تارة، يتدخل في بعض الأحيان الدين، وإن كان البعض لا يؤمن بأن "الحكمة ضالة المؤمن" فأضطر للتخلي عن تلك القيود، وفي زمن احتلت فيه نماذج خاوية الوفاض من أي معتقد أخلاقي مقام الصدارة، سواء على صعيد الثقافة أو الإعلام أو الرياضة أو الفن أو حتي السياسة، كان من الخطورة أن تتحول القدوة إلي قنبلة موقوتة تقضي علي عنصري الحب والاحترام داخل مجتمعنا.

 

"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون".. "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله".. هكذا حسم القرآن الكريم أهمية القدوة في حياتنا، فمن خلال ضلعي "الأمر بالمعروف" و"النهي عن المنكر" تتشكل منظومة "الأخلاق"، والتي من خلالها ينمو الحب والاحترام بين الناس، وحينما تخلت أمتنا عن مقام القدوة، لم يعد للشباب نموذجاً يمكن أن يختاروا منه قدوتهم، وما السبل لتقديم نماذج من داخل امتنا ليقتدي بها الشباب، ونحن لا نقدم الصفوف سوي نماذج سيئة تغرس الأخلاق الذميمة في وجدان أبنائنا.

 

قديس القلوب

 

علي بُعد أكثر من 900 كيلو متر من القاهرة، يمكن أن نضيف إليهم 530 كيلو متر هي المسافة من القاهرة لمدينة شرم الشيخ، كانت رحلتي المكوكية لمدينة أسوان، ورغم أنني لم أمكث فيها سوي سويعات قليلة، إلا إنني اكتشف فيها عالم أخر لم أكن أتوقعه، خلية نحل لم أتخيل أنها تعيش داخل مجتمعنا الهش، عش نمل رغم ضآلته الممثلة في قلة عدده وخبرته إلا أنه شكل فريق عمل يحقق الإنجاز تلو الآخر، دثرهم بجناحيه ملِك عظيم علي عرشه، لعب هذا الملِك دور الأب الروحي.

 

"إنه القديس".. لم تخونني أذناي، هكذا سمعتها منهم، فهم يستمدون منه قوتهم، يستخلصون منه عزيمته، يحلمون بأن يصبحوا في يوم ما نسخة منه، أما هو فلم يبخل عليهم بشيء من علمه، بشيء من خبرته، فجاد عليهم بكل ما تعلمه، وبكل طاقة جعلت من صاحبها يتجاوز حدود البشر ويصل إلى رتبة القديسين، فلماذا لا يلقبونه بالقديس، إنه الجراح العالمي السير مجدي يعقوب.

 

قد يعتقد البعض إنني سأخصص مقالي هذا للحديث عن السير مجدي يعقوب، وهذا قطعاً شرف كبير، وقاعدة يلتزم بها كبار الكُتاب أثناء الحديث عن هذا الرجل، يهتمون بشخصه دون أن يدركوا أهميته كرمز يمكن أن يصنع المعجزات دون أن يرهقنا بلغو لا طائل منه، ولكنني سأتجاوز تلك القاعدة ولن أتحدث عن مجدي يعقوب الشخص، سأنصت إلي نصيحته وأبحث عن البطل الحقيقي، بطل كامن داخل عقول شباب بحثت عن قدوتها في شخص هذا الرجل، فارتضوا عقلة وفكره ومنهجه، ارتضوا أن ينتقلوا مئات الكيلومترات بعيدا عن حياة القاهرة الساحرة ليمكثوا بجوار حلمه.

 

"ما الذي جعل شباباً يتخذون من الأسطورة قدوه.. في حين يهرب آخرون بحثاً عن القديس ليحتويهم بعقلة".. هنا أنا لا أضع مقارنه غير عادلة بين فنان وعالم، فللفن أيضاً أهميته إن كان يقدم معني محترم للقدوة، ما يعني انه لا يقل عن العلم في شيء، ولكنني قصدت من سؤالي هذا الالتزام بمنهجية علم الاجتماع أثناء الحديث عن إشكالية مجتمعية متناقضة، بين شباب اختار كل منهم طريقاً مختلفاً بحثاً عن الأب الروحي، وكما هو متوقع لم أجد الإجابة إلا من أفواههم.

 

داخل مبني صغير لا يتعدى بضع آلاف المترات فوق أرض أسوان، منبع حضارة الفراعين الأولين، انهمك شباب لا يتخط أغلبهم الخامسة والعشرين من أعمارهم في أبحاثهم، جلسوا خلف أجهزة معقدة لا قبل لنا بها، بعضهم انتحي ركناً لإجراء عملية تحاليل هندسية تمكنه من تحديد مسارات الدم داخل الأوردة والشرايين، ودراسة الحقيقية العلمية لعمليات الارتجاع وترسب الدم، وآخرون عقدوا العزم علي المكوث خلف أجهزة "البايوانفورمتيكس" لعمل ما يشبه شبكة جينات للمريض، أو ما يشبه بقاعدة بيانات جينية لمرضي القلب.

 

"الإنسان يعيش بالإنجاز".. هنا فقط أدركت إجابة السؤال الاجتماعي الذي طرحته سابقاً، رغم أنهم لم يتفوهوا بأي كلمة عنه، فقط نظرة إلي بريق عيونهم، إلي إحساسهم بالفخر، إلي شغفهم بما يفعلون، بما سيحققون لأنفسهم ولأبنائهم من بعدهم، وربما لأحفادهم في المستقبل القريب أو البعيد، شباب وجد ضالته فيمن يحقق لهم طموحاتهم، وجدوا أبيهم الروحي الذي سيتعلقون به، وجدوا عالماً لا يبخل عنهم بشيء، وجدوا قديساً علي حد تعبيرهم يريدهم أفضل منه، وجدوا السير مجدي يعقوب الأب الروحي لهم.

 

 

التعليقات