أرض التلال المنعزلة

"الصحراء السوداء".. حينما انفجرت البراكين المصرية منذ 180 مليون سنة

جمال ساحر، هواء نقي، كثبان تبدو كرداء مهد حريري ذهبي اللون، غروب الشمس يأخذك إلى عالم الخيال عندما تدهن تلك الرمال بلونها البرتقالي المائل إلى الحمرة في لوحة فنية من إبداع الخالق .. هذا هو ما يتخيله عقلك عندما تقرر فجأة بالذهاب إلى جولة داخل الصحراء الغربية.

 

"ما هذا يا أبي.. هذا الجبل لونه أسود".. عبارة طفولية أطلقها طفل في العاشرة من عمره، يجلس بجوار نافذة السيارة التي تقله هو ووالده مع مجموعة كبيرة يرافقونهما في رحلتهما داخل الصحراء الغربية، فالتفت والده ينظر إلى ما يشير إليه ولده مجيبا إياه وهو يومئ برأسه تجاه الأطراف المترامية أمامه: "نعم .. لقد دخلنا الآن في منطقة الصحراء السوداء"، ارتسمت على وجه الطفل أبلغ آيات العجب قائلا لوالده "الصحراء السوداء.. لكننا درسنا إن الصحراء أرض الرمال الصفراء".

 

الحقيقة أن رد فعل الطفل كان طبيعية جدا، لأننا لا نعلم عن الصحراء سوى ما ندرسه في الكتب في المراحل التعليمية المختلفة، والتي دائما ما تذكر عن الصحراء الشرقية والصحراء الغربية وصحراء سيناء واصفة رمالها بالصفراء، لكن تخيل نفسك تقوم برحلة لتتجول بين تلك الصحراء الصفراء لتجد جبالا ورمالا سوداء، فاليوم كان ذلك الطفل على موعد مع أغرب الصحاري التي يمكن أن يشاهدها في العالم.

"الصحراء السوداء".. توجد جنوب واحة الفرافرة في الصحراء الغربية، أطلق عليها هذا الاسم لوجود طبقة من المسحوق الأسود يغطي جبالها وهضابها ورمالها، فبعض الجبال والهضاب تغطى قممها فقط بتلك الطبقة السوداء، فتبدو وكأنها ترتدي "قبعة" لتتباهى بزينتها، والبعض الآخر تنسدل عليها تلك الطبقة وكأنها تختال برداء مخملي أسود، وهذه المادة السوداء جاءت نتيجة تآكل الصخور على مر السنين.

 

تتميز الصحراء السوداء بالتلال المنعزلة التي تعتبر أهم ملامح اللاند سكيب، والتي تميز منخفض الواحات البحرية عن غيره من المنخفضات الصحراوية الأخرى، فتتناثر التلال كأرخبيل من الجزر مكونة ما يعرف بالصحراء السوداء، وتتباين هذه التلال في أحجامها وتكويناتها وارتفاعاتها وأشكالها، فبعضها لونه قاتم يتكون من "الدلوريت" و"الكوارتزيت الحديدي"، وبعضها يميل لونه إلي الحمرة حيث تتكون صخور السطحية من الحجر الرملي الحديدي، وأما القليل من هذه التلال فيتكون من الحجر الجيري الأبيض.

 

على أطراف الصحراء السوداء توجد تلال سوداء بركانية وهاجة، تلقي على المنطقة سحر خاص عند شروق الشمس وغروبها، أما في الليالي القمرية، وعند اكتمال البدر تظهر تلك الصحراء كلوحة زيتية لمنتجع بيئي وسط الغمام، وفي نهايتها توجد التلال البركانية السوداء التي تؤرخ بتاريخ إندلاع المواد البركانية، داكنة اللون التي يطلق عليها "دوليرايت"، وهو العصر "الجوراسي" الذي يرجع إلى 180 مليون سنة، وهذا ما يرجع إليه تكوين الصخور السوداء.

يُعد جبل "المرصوص" أشهر الجبال الموجودة في الصحراء السوداء، وهو عبارة عن فوهة بركانية مغطاة بالكامل بمادة الجاسبر البركانية، تلك المادة التي تتوزع على الجبل بشكل خلاب، وكأنها ترسم تجاعيد الزمن على وجهه وتكسبه وقار ومهابة التاريخ، و"جبل البانوراما" الذي اعتاد زائرو الصحراء السوداء على الصعود إليه لالتقاط صور بانورامية للصحراء السوداء من أعلى نقطة، ومن هنا أطلق عليه جبل البانوراما.

 

أما "جبل الإنجليز"، فهو الأشهر على الإطلاق، ويعتبر مزارا سياحيا تاريخيا، يتوجه إليه السياح لزيارة بقايا أطلال تعود إلى الحرب العالمية الأولى، فخلال تلك الفترة قامت قوات الاحتلال الإنجليزي باستغلال ذلك الجبل، وتمركزت فيه، باعتباره أعلى نقطة في الصحراء السوداء، وعلى قمته يمكنهم أن يكتشفوا أي تسلل من أفراد القوات المعادية، وهذا ما جعل الكابتن "ويلمز" من الجيش الإنجليزي يأمر بإنشاء مبني يتكون من ثلاث غرف وحمام بهدف مراقبة القوات السنوسية الليبية التي كانت تهاجم الواحة في ذلك الوقت.

 

ويقع جبل الإنجليز في المنطقة الفاصلة بين قرية منديشة ومدينة الباويطي، ويتميز بقمته السوداء لاحتوائه علي أحجار الدوليت والبازلت، كما يوجد على قمته بئر مائي روماني، وبالتسلق إلى قمته يمكن رؤية أجمل وأروع منظر لهذه الصحراء.

وعقب اكتشاف ثاني أضخم هيكل لديناصور في العالم، وبالقرب من جبلي الدست والمغرفة على حدود الصحراء السوداء، وهي منطقة قريبة من الواحات البحرية، عام 2010، أُعلنت منطقة الصحراء السوداء محمية طبيعية، كما تم اكتشاف بقايا الشجيرات وقطع الأخشاب المتحجرة، والتي تشير إلى أن تلك الصحراء قد ارتدت يوما ثوبا من الخضرة والنضارة، بل ووفرت حياة رغدة للعديد من الحيوانات الآكلة للعشب واللاحمة حتى الديناصورات.

التعليقات